نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٨

الالتفات من ضمير الغيبة إلى المخاطب هو مما تقتضيه قوّة الإبلاغ في توجيه التّوبيخ واللّوم على موقف المشركين؛ لأنّ الاغترار بتلك المزايا التي خصّها الله ببيته الحرام -وهم أبناؤه وسدنته- الاغترار بذلك يجعل تلك النّعم في نظرهم هي منتهى أملهم ومبتغاهم في الزّينة والمتاع، فبيّن الله أنّ ذلك مهما بدا لهم عظيما وجميلا فما هو إلاّ متاع زائل وزينة فانية لا قيمة لها أمام ما عند الله من الثّواب والجزاء في جنات النّعيم، وهو خير وأبقى لأنه خالد باق، وبما أنهم لا يبلغون مستوى الإدراك لتلك المفاهيم القيّمة فقد فرّع الله على إخبارهم بها هذا الاستفهام التّوبيخي فقال: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، فهم قد انطمست بصائرهم بغلبة الأهواء والشّهوات، فكيف يفرقون بين الفاني والباقي وبين الزّائف والخالص.

(أَفَمَنْ وَّعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)، الاستفهام لإنكار المشابهة والمماثلة بين فريقين على وضعية متخالفة:

أ) - فريق: (وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ)، وهو الفريق المؤمن والمصدّق بوعد الله بما ادّخره في جنّات النّعيم للموفّين بدينه المصدّقين بوعده؛ لأنّه الكريم الودود، والموفّي بالوعود، فهل يستوي هؤلاء بمن كذّب بوعد الله وفتنته الدّنيا بمتاعها الزّائف فاطمأنّ لها واغترّ بها حتى مات على كفره، فإذا هو من المحضرين للجزاء الأخروي الذي تكون نهايته جهنم وبيس المهاد؟.

وهذه المقارنة توحي بما كان عليه المشركون من التّفاخر والتّعالي على المسلمين بما هم عليه من التّرف والنّعيم، مما تدلّ عليه النّصوص الأخرى من القرآن، إذ صوّر الله كيف كان أولئك السّادة الأغنياء يعاملون به فقراء المسلمين، من مثل قوله تعالى:

٤٬٠٩٩ / ٦٬٢٠١