نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٦٦إن قصّة "قارون" في عرض مشاهدها وما يكتنف ذلك من حسن التّقديم والاختتام، تمثل بحقّ النّموذج البليغ لفنّيات القصة الصّغيرة، حسبما ضبطها الأدباء والبلغاء، لا يكاد القارئ يجد فيها ثغرة ناقصة في البناء القصصي الفني، فالتّمهيد بقوله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)، وكونه من قوم موسى أنّه كان إسرائيليا مثلهم قد آمن بموسى وحفظ التّوراة -كما تقدم-، وأنّ له بموسى قرابة، ولكنّه تجبّر وتكبّر بحظوة الجاه والمال، ففي الجاه قيل: إنّ فرعون قد ولاّه عليهم فأخذ يظلمهم ويتعاظم بماله وجاهه، ويكون للظّلم وقعه الأليم في النّفوس إذا أتى من قبل الأقرباء كما قال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهنّد
واختيار نسبته إلى قوم موسى عوضا عن بني إسرائيل، هو للتنظير بين ما حدث لموسى من قومه، وما حدث لرسول الله من قومه مشركي مكة لتثبيت قلبه الشريف.