نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٧١

لم تقتصر عجرفة "قارون" على أولئك النّصّاح له، بل أراد أن يظهر عظمته وأبهته لبقية قومه بعد أن رفض تلك النّصيحة: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)،

الرّبط بـ"الفاء" لا يدلّ على التّرتيب الفوري، بل هو لبيان تعنته في رفض تلك النّصائح، تأصيلا لطبيعته الاستعلائية، وتأكيدا لمنزلته الاجتماعية، والخروج في الزّينة تعبئة كلّ ما عنده من وسائل تلك الزّينة ثيابا ومراكب وخدما بما تشتهر به المواكب الفخمة الرّسمية اليوم، إذ تحتفي بها الجماهير على قدر ما يكون لذلك الموكب من الإجلال والتّقدير عندها، والنّاس يختلفون في النّظرة إليها اعتزازا وفخرا، أو اشمئزازا ونكرا.

(قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ): فالسّذج الجهلة من النّاس تغريهم تلك المظاهر البراقة من فتنة الدّنيا، ويدفعهم الطّمع إلى تمنّي ذلك لنفوسهم، معتبرين من حصل عليها أنّه ذو حظّ عظيم، والإنسان بطبعه ميّال لحب المال، كما قال تعالى:

أ) - (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات:8).

ب) - (وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر:19 - 20).

غير أنّ القليل من أولي العلم والحكمة يدركون بنور بصائرهم تفاهة زخارف الدّنيا أزاء ثواب الله ونعيم الآخرة فينهون الغافلين ويحرّضونهم على التماس ذلك بالإيمان والعمل الصّالح، إذ قال تعالى: (وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنَ -امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصَّابِرُونَ).

٤٬١٢٢ / ٦٬٢٠١