نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٣فقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)، الاستفهام لإنكار حسبان تركهم في مأمن من إفتان المشركين لهم بعد أن خالفوهم في الإيمان وانحازوا عنهم في شؤونهم وأحوالهم؛ وذلك لأنّ الإيمان يقتضي من أولئك المؤمنين أن يمتحنوا بأنواع من المشاقّ والمتاعب دفاعا عن عقيدتهم بالجهاد وما يتطلّبه من التّضحية بالأموال والأنفس وتحمّلا لأنواع التّكاليف في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ثم التّعرّض لأنواع البلايا والمصائب التي هي من سنّة الحياة كما قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ) (آل عمران:186). وما أبلغ التّعبير القرآني في اختيار لفظ: (النَّاسُ) عوضا عن "الذين آمنوا"، ليكون الحكم عامّا لأمّة الدّعوة إعدادا لها لتكاليف الاستجابة لدعوة الإسلام؛ لأنّ الابتلاء يتناسب مع حجم الإيمان كما بيّن ذلك رسول الله في قوله: «أشد النّاس بلاء الأنبياء، ثم الصّالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرّجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء».(1)
ونظير هذه الآية قوله تعالى:
أ) - (أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث سعد، كتاب (37) الزهد، باب (56) ما جاء في الصبر على البلاء، رقم 2398.