نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٥ثم قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَّسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ)، على ذكر إفادة معنى الجزاء على الصّدق والكذب في الآية السّابقة، جيء بـ"أَمْ" التي تفيد الإضراب الانتقالي، ويقدّر بعدها استفهام إنكاريّ، والتّقدير: أَظَنَّ الذين يرتكبون المعاصي أن ينفلتوا عنا فلا نجازيهم؟. وذلك وعيد شديد لكلّ من يقترفون السّيئات ولم يتوبوا، فهو يشمل المشركين بصفة عامّة ممن يفتنون المؤمنين في كلّ زمان ومكان، ولو كان سبب النّزول لأشخاص معيّنين من مشركي مكة، وقد جعلها البعض للشرك فما دونه من مختلف المعاصي إذا تمادى عليها الفاسق، وجملة: (أَنْ يَّسْبِقُونَا) هي بمعنى أن ينفلتوا من عقابنا، وهذا حكم خاطئ يجافي منطق العقل والشّرع كقوله تعالى في الذين كفروا: (وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ) (الأنفال:59).
قلت: إن المؤمن المتمادي على الإتيان بالسّيئات -سيما الكبائر منها- تهاونا أو استخفافا بوعيد الله، فهو بمنزلة أولئك الكفار الذين فتنوا المؤمنين عن دينهم، وكم في واقعنا المعيش اليوم من مظاهر ذلك التّهاون، سيما من أولئك الذين يكتفون بمجرّد النّطق بالشّهادتين في إيمانهم ولا يكلّفون أنفسهم أيّ عناء أو التزام بالتّطبيق العملي لمقتضى تلك الشّهادة في سلوكهم ومعاملاتهم، فبئس حكمهم، ولذلك أعقب الله ذلك الوعيد بقوله: (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وعلى أسلوب القرآن في المزاوجة بين الوعد والوعيد وبين التّرغيب والتّرهيب، فقد جاءت هذه الجملة الشّرطية تثبيتا للمؤمنين، وهم يفتنون في دينهم، فهم في كلّ الأحوال إلى خير بين إتيان أجل الله القريب بالنّصر والتّمكين في الدّنيا، أو أجله الموعود به في اليوم الآخر من الثّواب والأجر والفوز برضوانه الكبير.