نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٦

وفي تأكيد جملة الجزاء بـ"إن" و"اللاّم" تحريض على العمل والاستعداد لحسن لقاء الله، حتى لا يكون طول الانتظار لذلك مثبطا لعزائم المؤمنين مهما فُتنوا في دينهم. والتّذييل بقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) جاء على مقتضى الإيمان بمراقبة الله لتصرفات عباده، حتى لا يشكّ المؤمنون في وعد الله فيستبطئون النّصر في الدّنيا أو يشكون في توفية الجزاء عند الحساب.

ثم يقول تعالى: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، والمجاهدة تتمثل في تحمّل مشاق التّكليف، وجاءت هنا مطلقة لتتناول الجهاد الأكبر في مدافعة شهوات النّفس الأمّارة بالسّوء ووساوس الشّيطان، والجهاد الأصغر في قتال الكفار لنصرة الإسلام، وفي كلتا الحالتين فإن ثمرة ذلك الجهاد تعود على نفس المجاهد هناء وسعادة وحياة طيّبة في الدّنيا، ونعيما ورضوانا في الأخرى، لأنّه تعالى غنيّ عن خلقه، لا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم.

ولكن للمطيعين جزاؤهم الأوفى عند الله إذ قال تعالى: (وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وجه العطف بهذه الجملة على ما سبق من قوله: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ)، هو لبيان فضل الله زيادة على عدله في المجازاة، ولما كان مجلى المجاهدة هو الإيمان وعمل الصّالحات، وعلى رجوع نفع ذلك إلى المجاهد نفسه، فإنّ فضل الله يقتضي أن يجازيهم على الحسنات بأحسن منها مع التّكفير لما قدّموه من السّيّئات، والله يضاعف أجر الحسنات بحسب تقديره لبواعثها في النّفس من النّية والإخلاص لوجهه الكريم، وفي ذلك تشجيع لبواعث الخير في نفس المؤمن، وهذه البشارة تشمل كلّ أصناف المؤمنين، أي حتىّ أولئك المشركين الذين تركوا الشّرك وانضموا لركب الإيمان، وهم أحرياء بهذا الوعد.

والله أعلم.

٤٬١٣٧ / ٦٬٢٠١