نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١١١يتوالى الإرشاد الإلهي في تشريع أحكام الأسرة، فبعد أن أمر الله بالتّقوى وحذّر من المعصية في إتيان النساء عند المحيض مهّد لبيان حكم الإيلاء منهنّ بذكر حكم الأيمان بصفة عامة، لأنّ النّاس قد يلجأون إلى الحلف بالله في معاشرة أزواجهم وتربية أولادهم سيما إذا حدثت ملاحاة بين الزّوجين فيكون الحلف بالله سبباً للامتناع عن فعل الخير أو تعطيل شيئ من كرم العشرة وحسن البرّ بأفراد الأسرة، فقال تعالى: (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمُو أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
الجملة معطوفة على ما قبلها من الأوامر والنّواهي للمناسبة المذكورة، وممّا يندرج في مسالك تقوى الله وخشيته احترام الإسم المعظّم بأن لا يجعله المؤمن عرضة لأيمانه، فيكون مانعا له من عمل الخير، تعظيما لذلك الإسم.
وترد روايات متعدّدة في أسباب النزول أشهرها موقف أبي بكر رضي الله عنه من مسطح حين خاض مع المنافقين في حديث الإفك، إذ حلف ألاّ ينفق عليه بعد ذلك فنزل فيه قوله تعالى: (وَ لاَ يَاتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُواْ أُوِلي اِلْقُرْبى) (النور:22)، وفي مثل هذه الحالة التي يقع المؤمن فيها أحيانا عليه أن يكفّر عن يمينه ويفعل المحلوف عليه، وقد يكون امتناعاً عن خير أو ارتكاباً لشرّ، وترد في ذلك أحاديث عن رسول الله منها:
ما ورد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف عن يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه».(1)
(1) 1 – رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، حديث 1650، 3/ 1272.