نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٢١هذه النّماذج من البشر في الطّغيان والظّلم لا يخلو منهم زمان ولا مكان، فهم عمي أزاء البيّنات التي قد تأتي على أيدي رسل الله كما جاء بها موسى لهؤلاء المذكورين، أو يدلي بها أهل العلم من ذوي الحكمة كما فعلوا بقارون، ذلك لأنهم يمتلكهم الغرور بما هم عليه من القوّة والجاه فينسون بذلك أنّ الله تعالى قاهر فوق عباده، فجاء النّفي لكونهم منفلتين عن حكم الله، إذ قال تعالى تعقيبا لاستكبارهم في الأرض: (وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ)، كلا: (وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ) (الأنفال:59).
وبعد هذا العرض الموجز لتلك الطّوائف الطّاغية من الأمم الخوالي يفصّل الله تعالى أنواع العقوبات التي سلّطها عليهم وما هي من الظّالمين ببعيد، فقال تعالى: (فَكُلاًّ اَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنَ اَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَّنَ اَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
أجمل الله المؤاخذة على الذّنب بقوله: (فَكُلاًّ اَخَذْنَا بِذَنبِهِ)، أي أخذنا كلّ طائفة من المذكورين فانتقمنا منهم بسبب ذنوبهم؛ لأنّ الذّنوب ما لم يتب منها أصحابها تقتضي العقاب عليها، لأنها تضييع لأمانة التّكليف، وعلى الإجمال تفرّع التّفصيل لتلك العقوبات:
أ) - (فَمِنْهُم مَّنَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا): وهم قوم عاد، والحاصب هو الريح التي تحمل الحصباء، كما قال تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءِم بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ تَرَى إِلاَّ مَسَاكِنَهُمْ) (الأحقاف:25). وقد ألحق بعض المفسّرين بهؤلاء قوم لوط، على اعتبار حجارة السّجيل النّازلة عليهم، ولقوله تعالى: (إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا اِلآَّ ءَالَ لُوطٍ) (القمر:34).