نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٣٣١

يقول الدّكتور وهبة الزّحيلي: "والحقّ -كما قال مجاهد وآخرون- أنّ هذه الآية باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم -أي من أهل الكتاب- في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ويدعو إلى الله عز وجلّ وحده لا شريك له، وينبّه على حججه وآياته رجاء إجابته إلى الإيمان بغير إغلاظ ولا مخاشنة كما قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النّحل:125) ".(1)

قلت: وفي الشّطر الثّاني من الآية يستثنى الله الذين ظلموا من أهل الكتاب وهم المصرّون ممّن عرفوا الحقّ وأنكروه، بل ناصبوا العداء للرّسول وأصحابه، ونقضوا العهود والمواثيق وظاهروا المشركين في مواقفهم، فهؤلاء لا يجدي فيهم أسلوب المجادلة والإقناع، بل الحزم يقتضي أن يعاملوا بالمثل، أي بالقوة، حتىّ يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

لأنه كما قال المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا

ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا … مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى

ثم قال تعالى: (وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، عطف الله على النّهي هذا الأمر، مما يصلح أن يكون مقدّمة لتلك المجادلة بالإقرار بما لا نزاع فيه من بعض أصول العقيدة في الإيمان بالوحي السّماوي، فيشمل التّوراة والإنجيل والقرآن، وفي الإقرار بوحدانية المعبود الحق.

ويلاحظ التّعبير عن القرآن: (بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا) وتخصيصه بالصّلة هو للتّركيز على ما جحده بعض أهل الكتاب من نبوءة رسول الله، وهو ما يعلم بطريقة إلزام الخصم في المناظرة.

والتّذييل بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) يشمل الفريقين، والإسلام هو بمعنى إسلام الوجه لله تعالى وهو ما دعا إليه رسل الله جميعا.

(1) 1 - وهبة الزحيلي، التّفسير المنير: 21/ 07.

٤٬١٨٢ / ٦٬٢٠١