نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٣٦ثم بيّن الله تعالى ما للقرآن وحده من دلائل على صدقه تكفي وحدها للإثبات على أنّه ليس من كلام البشر حتى يتقوّله الرّسول عليهم فقال: (اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ).
الاستفهام للتعجيب والإنكار، فوجه الإعجاب هو إنزال مثل ذلك الكتاب العظيم بما يشتمل عليه من الإعجاز البياني والعلمي على رجل أمّي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يخالط العلماء من أهل الكتاب وغيرهم، وينصبّ الإنكار على جفوتهم وبلادة عقولهم بأن عرفوا الحقّ وأنكروه، لأنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله لما تحدّاهم، وللتنويه بشنّ القرآن أضفى الله عليه بعض المزايا فقال:
أ) - (يُتْلَى عَلَيْهِم): صيغة المضارع تدلّ على الاستمرار وشمولية الزّمان والمكان، بحيث لا تنتهي آثار معجزته ما دامت السّماوات والأرض، ولا يحتكرها جيل واحد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكونه مما يتلى بمعنى أنه معجزة فكرية لا تتقيد بالمشاهد المحسوس الذي ينحصر تأثيره في وقت معيّن.
ب) - (إِنَّ فِي ذَالِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ): الإشارة إلى: (الْكِتَابَ) المتحدّث عنه للدّلالة على التّعظيم، وتتمثّل رحمته في كونه يشرّع للخلق ما فيه صلاح معاشهم وفلاح معادهم من مختلف الأحكام والآداب والمواعظ، وبيان سنن الله في خلقه، فهذه هي المعجزة الخالدة لرسول الله لا تنقضي آثارها بحياة الرّسول كالمعجزات المحسوسة، وبذلك امتاز هذا القرآن، وفيه كفاية عن كلّ المعجزات الأخرى، وإن كان لرسول الله كرامات أخرى مادّية خارقة للعادة بسطتها كتب السّيرة مما لا شكّ فيه، وتعليق الرّحمة والذّكرى بـ (قوم مؤمنين)؛ لأنّ الإيمان هو وحده هو الباعث للعمل والتّطبيق، وهم الذين ينتفعون بهدي القرآن بما فيهم من الاستعداد للتّلقّي والإذعان.