نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٣٧وبأزاء ذلك التّحدّي والعناد من المشركين وبعد أن ألزمهم الحجّة أمر الله رسوله أن يرتكن إلى ربّه ويجعله حكما بينه وبينهم فقال: (قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
الباء في: (بِاللهِ) زائدة للتوكيد، وكفاية الله هي البيّنة الوثقى للشّهادة على الحقّ؛ لأنّه تعالى يعلم حقائق الأشياء كلّها، وبالتّالي فهو يعلم الصّادق من الكاذب في القضية الإيمانية وهي منوطة بما في الصّدور، وفي ميزان الرّبح والخسارة جعل متعلّق الإيمان بكلّ ما هو باطل ممّا سوى الله تعالى، جعل ذلك مناط الخسارة الحقيقية يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت، وجاء التّعبير بصيغة القصر بتعريف جزئي الجملة، وضمير الفصل: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ذلك لأنّ الإيمان هو المحور الأساسي للاستثمار الذي يطلب من ورائه الرّبح، فإذا فني رأس المال فقد وقع صاحبه في الخسران المبين، كما قال تعالى: (قُلِ اِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزّمر:15)، فهو خسران من نوع خاصّ انفردوا به، فبلغ بهم النّهاية في الخذلان والحرمان.
ولما كان رسول الله في دعوتهم إلى الإيمان ينذرهم بالعذاب إن هم تمادوا على كفرهم، وكان الطّغاة منهم يستعجلونه به، جاء الرّدّ الإلهي ببيان حكمته تعالى في إمهالهم فقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلآَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَآءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَاتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُم بِالْكَافِرِينَ، يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).