نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٠لقد كان التّهديد والإنذار للمشركين كفاء لهم على شرّهم وفسادهم، سيما في إذايتهم للمستضعفين من المؤمنين في مكة، وقد بلغ المكر بهم منتهاه، فكان من رحمة الله بهم أن أمرهم بالهجرة إلى حيث يعبدون ربهم في أمن وحرية، وأن لا يثنيهم عن ذلك خوف الموت، لأنّه مكتوب على كلّ نفس كما أنّه تعالى سوف يتكفّل برزقهم، فلا يخشون جوعا ولا ضياعا، وسندهم في تحقيق ذلك هو الصّبر والتّوكّل على الله، ولهم بذلك عند الله نعم الأجر والثواب، جنّات عدن مفتّحة لهم الأبواب.
قال تعالى: (يَا عِبَادِيَ الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)، (يَا عِبَادِيَ الذِينَ ءَامَنُوا): إنّه النّداء الحبيب للمؤمنين لما فيه من التّشريف والتّكريم لهم وهم أحرياء بذلك لصدق إيمانهم بالله وبرسوله، وغالبا ما يتمخّض هذا النّداء في القرآن لفريق المؤمنين، إذ قليلا ما يأتي لمطلق الخلق من مثل قوله تعالى: (ءَآنتُمُ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلآَءِ) (الفرقان:17). وقد كان رسول الله يتشرّف بصفة العبودية لله كما روى الإمام البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى بن مريم، فإنّما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله».(1)
وفي قوله تعالى: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) إشارة إلى الهجرة، حيت يجد المؤمنون مقاما آمنا للقيام بواجباتهم الدّينية، لأنّ شرف المكان وقدسيّته كالحرم المكّي لا يمنع الخروج منه إذا كان ذلك لأجل عبادة الله وحده لا شريك له، لأنّ من مقوّمات الدّين الصّحيح أن لا يقبل المؤمن الضّيم ولا الدّنيئة في دينه، بل ذلك من شيم النّفس الحرّة الأبية، كما قال الشّاعر:
(1) 1 - رواه البخاري بلفظ قريب من حديث عمر، كتاب (64) الأنبياء، باب (49) ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها … ﴾، رقم 3261.