نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٢

بعد ضرب المثل لقدرة الله في إعادة الخلق للبعث، أعقبه بضرب مثل آخر لإبطال الشّرك، وهو منتزع من أنفس المشركين ممّن يملك عبيدا وإماء، فهل يرضى أن يكون أحد مملوكيه شريكا في ما يملكه؟، فكيف يرضون بالشّريك لله الخالق بما يعبدون من دونه، وبمثل قولهم في طوافهم بالكعبة: "لبيك اللّهمّ لبيّك، لبيّك لا شريك لك، إلا شريكا تملكه وما ملك".

ولإبطال مثل تلك العادات الفاسدة قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنَ اَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمُ أَنفُسَكُمْ).

ضرب المثل من الأساليب البليغة التي اعتمدها القرآن في إرشاده، وكلّما كان المثل مستوحى من البيئة التي يعيش فيها المخاطبون كان أقرب إلى الفهم والتّأثير في السّامعين، ولمّا كان العرب كغيرهم من الأمم يملكون العبيد والإماء ويعاملونهم بأشبه ممّا تعامل به الحيوانات والمتاع المملوك، فإنّه تعالى انتزع هذا المثل من مألوف واقعهم في أنفسهم ليقيسوا عليه فقال: (هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ)، والاستفهام للإنكار أن يرضى أحد المشركين أن يكون مملوكه شريكا له في أمواله يتصّرف فيه سواء سواء، ثم هو يخاف أن ينازعه ويحاسبه فيه كما يحاسبه أحد شركائه الأحرار، فنحن بأزاء تشبيه مركّب بين هيئة وهيئة، والمعنى المستخلص من المثل، أنّه إذا كان أحدكم لا يرضى أن يساويه عبده في التّصرف في أمواله كما يتصرّف هو فيها، ولا يرضى أن ينازعه فيها أحد، فكيف يرضى أن يجعل لله شريكا في عبادته، وهو الخالق الرّازق لكل شيء؟.

٤٬٢٣٣ / ٦٬٢٠١