نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٩واستعمال "إِذَا" الفجائية للدّلالة على الإسراع إلى الجحود والكفر، ولذلك عاجلهم الله بالتّهديد في قوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). وللإمعان في التّوبيخ والتّنديد وقع الالتفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب: (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، إنّه تهديد يهزّ الكيان البشري؛ لأنّه من القويّ القاهر فوق عباده وهو يسائلهم في إنكار شديد عن مستندهم في ذلك الشّرك الذي ينزعون إليه، ألهم لذلك حجّة من كتاب منزل يستندون إليها؟، فقال تعالى: (أَمَ اَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ).
يلاحظ الالتفات إلى ضمير الغيبة، والمتحدَّث عنهم هو الفريق المشرك الضّال إعراضا عنهم لخطاب المؤمنين، ويراد بالسّلطان الحجّة المنزّلة من عند الله، إذ أنّ أحكام الدّين وأمور العقيدة لا تأتي إلاّ من عند الله، فهل ما ينزع إليه المشركون من أمور الكفر تلقّوا فيه كتابا من عند الله يشهد بما يقولون؟، وهذا سؤال تعجّبي تهكّمي يبطل مزاعمهم؛ لأنّها أوهام باطلة لا تستند إلى دليل تقوية، لقوله تعالى قبل ذلك: (بَلِ اتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وهناك حالة نفسية تعرض للناس حتى لو كانوا مؤمنين من الفرح بما يؤتون من النّعم عجبا واغترارا، أو من القنوط عند الشّدة واليأس فقال جلّ من قائل: (وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمُ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ).