نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٠٦ولعلّ الكثير من المتطفّلين على مائدة القرآن يرون نوعا من التّكرار في مثل هذه المواضيع سيما في القرآن المكّي، ولا ينتبهون للمقصد التّربويّ من وراء ذلك، على أنّنا لو أخذنا هذين النصّين نموذجا لذلك لما وجدنا تماثلا كاملا بينهما لا في المبنى ولا في المعنى، إذ قليلا ما نجد ذلك التّماثل في بعض الآيات وقد ضبطها المحقّقون وأبرزوا ما وراء ذلك من مقاصد تذكيرية لا مناص منها، ومن هؤلاء المحقّقين الأستاذ محمد قطب، إذ كتب فصلا قيّما بعنوان: "ظاهرة التّكرار في القرآن"، حلّل فيه نماذج لآيات تبدو أنها كذلك، فلم يجد ذلك التّماثل المزعوم للتّكرار، وإنّما هو التشابه والتّنويع، لمقصد التّذكير والتّأثير، فهو يقول في مقدمة بحثه: "وحين ننظر إلى القرآن على أنه كتاب التّربية لهذه الأمّة وللبشرية كلها التي ينبغي أن تدخل في دين الله، تزول عنا غرابة هذه الظّاهرة -أي التّكرار-، وتصبح بعض حكمتها على الأقلّ مفهومة لدينا.
إن التّربية ليست قولة تقال مرّة وتنتهي، وكلّ من مارس التّربية مع صغير أو كبير يعلم إلى أيّ مدى يحتاج من يتلقّى التّربية إلى التّذكير الدّائم حتىّ يستقيم على الأمر المطلوب، ومن ثمّ يستطيع أن يقرّر الهدف التّربويّ من عملية التّكرار في القرآن".(1)
ثم رتّب الله على تلك الظّاهرة الكونية العجيبة الأمر بالنّظر إلى أثر رحمة الله كيف أحيا الأرض بعد موتها ليستدلّ النّاظر إلى ذلك مدى قدرة الله على إحياء الموتى فقال تعالى: (فَانظُرِ اِلَى أَثَرِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَالِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَئِنَ اَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِنم بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ).
(1) 1 - محمد قطب، كتاب دراسات قرآنية: ص 245.