نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٢١وقد قدّم المسند إليه: (وَمِنَ النَّاسِ) للتشويق وجذب الانتباه، والاشتراء كناية عن العناية بالشيء والرّغبة فيه، فيدفع صاحبه لاقتنائه كلّ ما يملك من مال وجهد ووقت، وأحيانا يدفع حياته إذا تمكّن حبّ ذلك الشّيء من نفسه، فإذا كان هذا الذي يشتريه لهو الحديث، فقد اشترى بضاعة بخسة رخيصة بثمن غال بمقصد خبيث، وهو إفتان النّاس عن الوحي المنزّل من عند الله، فهو يقترف ذنبا مضاعفا باشترائه اللّهو الذي لا فائدة فيه، ثم ليفتن النّاس عن دينهم الذي يربطهم بربهم، فهو ضالّ في نفيه مضلّ لغيره.
وقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) لا يراد به العلم المادّي الظّاهري لشؤون الدّنيا، بل هو العلم الذي يوصلك إلى الله ومعرفة القيم الإنسانية الحقيقيّة، فقد جعل الله الكفر -بأي سبب من الأسباب- هو بغير علم، وإن يكن صاحبه عالما في متعارف النّاس، فيقول في هذا المعنى:
أ) - (وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثية:24).
ب) - (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) (الأنعام:148).
ج) - (أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثية:23).
ولا شكّ أنّ ما ابتدعه أعداء الإسلام من أنواع اللّهو واللّغو مما تبثّه وسائل الإعلام المختلفة أو شبكات "الانترنيت" لصدّ النّاس عن طريق الله، كلّ ذلك يندرج في هذه الصّورة القاتمة، كما قال الشّاعر:
ضاقت فجاج الأرض منهم بالخنا … فغزوا فضاء الكون بالإرسال
عبر الأثير إلى الخلائق كلّها … يغرونها بالشّرّ والإضلال
وبما أن الرّواة ذكروا من أسباب النّزول أنّها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنّية، فشغل النّاس بها عن سماع رسول الله، وعلى ذكر هذه الرّواية فقد بحث المفسّرون في قضية الغناء أهو حرام أم مباح، ومتى يكون كذلك؟، ولا نتوسّع في ذكر تفاصيل ذلك، فهي مبيّنة في الموسوعات الفقهية.