نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٤٣٣

ولم يقتصر لقمان على النّهي المجرّد، بل أعقبه بالتّعليل ليكون لكلامه كالدّليل فقال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، فاستعمل المؤكدات "إن" و"اللام" ووصف الظّلم بـ"عظيم"، وذلك لتهويل فظاعة الشّرك، إذ هو ظلم مزدوج: ظلم في حق الخالق، وهو أغنى الشّركاء عن الشّرك، وهو ظلم للنّفس المخلوقة، إذ تهوي بذلك إلى الحضيض، وليس في ذلك التّأكيد ما يدلّ على أن الابن كان مشركا -كما يرى بعض المفسّرين-؛ لأنّ التّذكير مأمور به لكلّ أحد، وفي جميع الأحوال، لأن الإنسان كثير الغفلة والإنسان.

وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الجملة التّعليلية هي من كلام الله، ومرداها بأنّها هي الحقيقة التي يعرضها رسول الله على قومه، فيشكّون في غرضه من وراء عرضها، بأنّه يريد أن يتفضّل عليهم وينتزع منهم سلطانهم، فها هو لقمان يعرضها على ولده، وهي بعيدة عن تلك الشّبهة التي لا يمكن أن تكون بين الوالد وولده، والله أعلم.

وفي ظلّ تلك العلاقة الحميمة بين الوالد وولده، وقبل متابعة وصايا لقمان، تأتي هذه الوصية العامة في حق الوالدين إبلاغا من الله لخلقه: (وَوَصَّيْنَا الاِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ اَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

فالموصي هو الله -بنون العظمة-، وجاء الفعل "وصّى" مضاعفا، والوصيّة هي أمر أحد بما يصلح له، ونهيه مما يضرّه، والله لا يوصي عباده إلاّ بما يصلح شؤونهم في المعاش والمعاد، وبما أنّ الوصية تعني الاعتناء بشخص الموصى له فقد استغنى عن قوله هنا: (حُسْنًا).

٤٬٢٨٤ / ٦٬٢٠١