نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٤٣٥

مهما تكرّر في القرآن الأمر بالإحسان إلى الوالدين، فقد تتعارض طاعتهما مع طاعة الله باختيارهما للكفر والشّرك، أو بقاء أحدهما عليه كما حدث لبعض الصّحابة -رضوان الله عليهم- في مكّة، ففي هذه الحالة تؤكّد هذه الآية ما أوصت به الآية السّابقة من أنّ حقّ الله تعالى مقدّم على كلّ حقّ، فعلى الولد المؤمن أن يعصي والديه إذا أمراه بمعصية الله أو استقصيا جهدهما في حمل ولدهما على الشّرك بالله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، غير أنّ الظّروف المكّية القاسية التي كان يعيشها المسلمون اقتضت هذا الإرشاد الإلهي بمصاحبة الولد المؤمن لوالديه الكافرين بالمعروف، أي يعاشرهما بالحسنى وبالإنفاق عليهما.

وقوله تعالى: (فِي الدُّنْيَا) لتغطية المدّة التي تستمرّ عليها تلك الحالة حتى تتغيّر في يوم من الأيام، ولم يقتصر الإرشاد الإلهي للولد على الأمر السّلبيّ بالنّهي عن طاعة الوالدين الآمرين له بالشّرك، بل أكمل إرشاده بأمره أن يتّبع سبيل المنيبين إلى الله، وهم الرّسول وأصحابه وكلّ الصّلحاء والأتقياء، إذ الكلّ راجع إلى الله ليجازيه بما عمل، وفي الرّجعى إلى الله تثبيت على الطّريق السّوي، وتطمين لأولئك الصّابرين على نهج الله بالنّصر والتّأييد.

ثم تأتي الوصية الثّانية للقمان بقوله لولده: (يَا بُنَيِّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ اَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الاَرْضِ يَاتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ).

إنباء الله لكلّ مخلوق بما عمل في حساب يوم القيامة يطرح في النّفس ذلك التّساؤل عن سعة علم الله وإحاطته الكاملة، كيف تغطّي كلّ ما في الوجود حتىّ تستوعب كلّ أعمالنا صغيرها وكبيرها.

٤٬٢٨٦ / ٦٬٢٠١