نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٣٩وهل أضرّ للمجتمعات وأشدّ فتكا لقيمها ومقوّمات حضارتها من فتنة الشّياطين ودعاة الفسق والفجور؟، فإذا نامت أعين الأبرار، وانخذل العلماء الأحرار، وسكنت أفواه النّصّاح والمرشدين، فلا رادّ للمجرمين أن يجوسوا خلال الدّيار.
والمسلم الوفيّ هو الذي لا يكتفي بسيرته الذّاتية والعيش في برجه العاجي، بل يهتمّ بالمحيط الذي يعيش فيه، يتعهّده بالرّعاية والمراقبة، ويمدّه بكلّ ما يحفظ عليه طهره ونقاءه.
ولم يضف لقمان على ولده -وهو يعظه- إلا صفة النّبوّة: (يَا بُنَيِّ)، إذ لم يخصّه بأيّ صفة أخرى من العلم أو الجاه أو غيرهما، وهذا يدلّ أن هذا الواجب الدّينيّ مطالب به كلّ مسلم كفرض عيني كلّما دعت الضّرورة إلى ذلك، وبالوسائل الشّرعية المتاحة لكلّ شخص، وفق ما بيّنه رسول الله في قوله: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».(1)
ومهمّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مدعاة للسّخط والإنكار، بل للأذى والإضرار، كما هي طبيعة الصّراع بين الحقّ والباطل، فليس للآمر النّاهي إلا التّذرّع بالصّبر، ولذلك جاءت وصية لقمان عامة شاملة. (وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ)، أي في سبيل امتثالك لأمر الله واجتنابك لنهيه، وكلّ ذلك يحتاج إلى عزيمة وإرادة لا يقوى عليها إلاّ من وفّقه الله وأمدّه بالعون والتّوفيق. فقوله: (إِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ) تذييل مناسب في تركيز تلك القيم الرّفيعة من التّضحية والصّبر والتّحمّل، وليس هو بالصّبر الذي يورث الخنوع والتّذلل.
(1) 1 - رواه مسلم من حديث طارق بن شهاب، كتاب (2) الإيمان، باب (22) بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان، رقم 186.