نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٤٥٠

ينطلق الجدال والحوار البنّاء عادة من قضية متفق عليها بين الطّرفين المتجادلين ثم يتوسّع إلى القضايا الخلافية الأخرى، وعلى هذه القاعدة السّويّة تبدأ هذه الجولة من هذه الآيات الكريمات مركّزة على منطق الفطرة في الإنسان حين تواجه الكون الأعظم فتعترف لله العليّ العظيم بالخالقية وبالتّصرّف والتّدبير، إذ لا يملك الإنسان حين يتحرّر من إسار الأرض في تغطية ضروراته منها، لا يملك حين يتأمّل بتفكيره أبعاد الكون الفسيح إلاّ الاعتراف بتلك الحقيقة الوجودية في أنّ الله وحده هو خالق كلّ شيء، وهو المدبّر الحكيم في ملكوته، وما أروع موقع الأمر الإلهي لرسوله بإثبات الحمد له، وفي ذلك تربية إيمانية مؤثرة، ثم يعقب بالحكم على الأكثرية بالجهل والتّبلّد الإيماني: (بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).

ومع ذلك الإقرار بخلق الله للسماوات والأرض، فإنّ النّتيجة المنطقية المنصفة لذلك أن تكون ملكية ما فيهما جميعا لله، ومن جملة ذلك تلك الأصنام التي يعبدونها، تهوينا من شأنها، إذ لا تملك نفعا ولا ضرّا، وليس لها غنى ولا تستحقّ حمدا، فالحمد والغنى لله وحده، وهو ما يفيده ضمير الفصل في الجملة: (إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، فهو الغني المحمود بذاته وصفاته الأزلية.

(وَلَوَ اَنَّمَا فِي الاَرْضِ مِن شَجَرَةٍ اَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنم بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

لقد تقدّم تفسير نظير هذه الآية في سورة الكهف تعقيبا على أخبار الماضين في كلتيهما، فقال تعالى هناك: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف:109).

٤٬٣٠١ / ٦٬٢٠١