نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ١٢وبعد التّذييل المناسب بقوله: (الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) يخبر الله تعالى بما يعتبر مظهرا لعزته ورحمته في بديع صنعه لكل شيء وإحسان خلقته سيما خلقه الإنسان وكيف تتمّ مراحلها ليصبح خلقا سوّيّا بعد أن لم يكن شيئا فقال: (الذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الاِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ).
إحسان الخلقة لكلّ شيء يتمثّل في بديع صنعه تعالى لجميع الكائنات وتزويدها بكلّ ما يضمن حياتها وكل بما يصلح لها من اختلاف الأحوال والبيئات، وتخصيص خلقة الإنسان بالذّكر هو ارتقاء في الاستدلال؛ لأن في أطوار خلقته كما فصّلته الآيات الأخرى دلائل عظيمة لإدراك قدرة الله، إذ يعتبر الإنسان في قمة الكائنات جمال صورة وقوة ذكاء بازدواجية تكوينه، والمقصود بالإنسان هنا هو أبونا آدم عليه السلام، ونسله هم ذريته من بعده إذ تنفصل عن والديها كما ينفصل الصّوف والوبر عن جلد الحيوان.
(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ): إشارة إلى ازدواجية التّكوين كما عبّر بذلك في خلقة آدم، إذ قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر:29). فهذه الإضافة التّشريفية للنفخة الرّبانية فيها من التّكريم للإنسان ما بوّأه تلك المنزلة العليا، لو أنه يشكر تلك النّعمة، أما كيفية النّفخ وسريان ذلك في مادة الإنسان فهي اللغز الذي لا نستطيع فكاكه مهما أوتينا من العلم.