نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٥٢تعتبر سورة الأحزاب من السّور الحافلة بالأحكام التّشريعية التي تُعنى بالأسرة وإحاطتها بسياج من المناعة والحصانة؛ لأنها اللّبنة المتينة في بناء صرح المجتمع المتوازن المستقرّ، ولم يكن المسلمون في مكة وفي أوائل الهجرة بالمدينة لم يكونوا ينعمون بالاستقرار الأسري وفق ما تدعو إليه الرّوابط الاجتماعية الطّبيعية من النّسب والدّم؛ لأن انتماء بعض الأشخاص إلى العقيدة الجديدة عقيدة الإسلام التي دعا إليها رسول الله قد أفقدت كثيرا من الأسر ذلك التّوازن؛ إذ أصبح الولاء الخالص لله ولرسوله مقدّما على كلّ ولاء، وكان من الطّبيعي أن يقوم ذلك الانفصام الكبير بين أفراد العائلة الواحدة، وهي تضمّ المؤمن والكافر، وكان للكفّار في مكة صولة وقوة حاولوا بها خنق الدّعوة الجديدة في مهدها، ولم يكن للمؤمنين المستضعفين إلا المجاهدة والمصابرة في فترة تربّصّية تتّسم بالعنف والغلظة، لاقى منها رسول الله وبنو هاشم الحظ الأوفر، وبلغ الصّبر والتّحمّل ذروته بالنّسبة لرسول الله في عام الحزن، حتى كان ذلك إرهاصا للهجرة إلى المدينة. وعندما أذن الله بها للمؤمنين أصبحت هي المحك الأساسّي لولاية المؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: (وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (الأنفال:72).