نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٧٣نقل الدّكتور الزّحيلي عن الإمام الزمخشري تعقيبا على تفسير إحباط أعمال المنافق فقال: "تساءل الزمخشري بقوله: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ فأجاب: لا، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللّسان إيمان وإن لم يواطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجزى عليه، فبيّن أن إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل".(1)
(يَحْسِبُونَ الاَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَّاتِ الاَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوَ اَنَّهُم بَادُونَ فِي الاَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنَ اَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً): وإمعانا في وصف خبث نوايا المنافقين أضاف الله لتلك الصّورة البذيئة التي وصفهم بها ببيان سوء تقديرهم لموقف الأحزاب، وأنهم يظنون أنهم ما يزالون يحاصرون المدينة، وهم يودّون أن يأخذوها عنوة، في حين أنّ الله قد شتّتهم فرجعوا خائبين، وإمعانا كذلك في وصف جبنهم أنّهم لو جاء الأحزاب كرّة أخرى لأخذوا حيطتهم بالخروج إلى البادية ثم هم يلتقطون أخبار المسلمين من هناك بعيدا عن مخاوف الحرب انتظارا لما يحلّ من السّوء بهم، وعلى فرض بقائهم معكم -أيها المسلمون- فإنهم لا يقاتلون معكم إلا قليلا رياء ونفاقا.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا):
أكدّت الجملة باللاّم المشعرة بالقسم و"قد" التي تفيد التّحقيق، والخطاب لجميع المؤمنين، "والإسوة" -بكسر الهمزة وضمتها- اسم لما يؤسّى به، أي يقتدى ويحتذى به، ولما كانت القدوة تكون في الخير والشّر جاء وصفها بـ"الحسنة" لتتمحّص إلى الخير، فهو أمر من الله للمؤمنين أن يقتدوا برسولهم في أقواله وأفعاله وفي جميع أحواله؛ لأنه النّموذج الأعلى في الأخلاق والقيم، وفي خشية الله وذكره ذكرا كثيرا.
(1) 1 - الكشاف: 02/ 534.