نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٧٤وقوله تعالى: (لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) هو لتوكيد قوله: (لَكُمْ) ليثبت بذلك للمؤمنين تلك الأوصاف من الرّجاء والذّكر، وفيه تعريض بأولئك المنافقين والمعوّقين الذين هم على عكس ذلك، وقد أثبتت السّيرة النّبوية كيف كان الأصحاب -رضوان الله عليهم- يتأسون برسولهم وبثباته وصموده في وقت الشّدة، وكان يشاركهم في حفر الخندق، بل ويتولى بيديه الشّريفتين تفتيت بعض الصّخور الضخمة، وكان يرفع معنويات أصحابه بترديده للأراجيز التي كانوا ينشدونها مما حفلت به الرّوايات الكثيرة.
(وَلَمَّا رَأَى الْمُومِنُونَ الاَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمُ إِلآَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا):
فعلى عكس أولئك المنافقين المتخاذلين بما كانوا يردّدونه من تلك الأقوال المكذّبة لوعد الله بأنه غرور، شهد الله للمؤمنين الأوفياء بالصّدق والثّبات في وقت الشّدة وهم يرون كثرة الأحزاب وتفوقهم عليهم في العدد والعدّة، وأنّه تعالى يريد أن يبتليهم ويمحّص إيمانهم، وهو أعلم بما توسوس به نفوس خلقه، وكان الله قد أخطرهم بذلك، ووعدهم بالنّصر. ولقوة يقينهم بوعد الله لم ترهبهم تلك الجيوش الجرّارة، بل أشاروا إليها في يقين وثبات، مصدّقين وعد الله لهم بالنّصر.
ولنا أن نتساءل هنا: كيف ربط المؤمنون تحقيق وعد الله بالنّصر لهم برؤيتهم لكثرة الأحزاب وقوّتهم من بعد أن وصف حالتهم النّفسية أمام ذلك الهول الدّاهم إذ قال: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُومِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا)؟.