نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٧٧

يجيء التّعليل لتلك الأحداث ليردّ الأمر كلّه إلى الله، وأنها تجري وفق حكمته وإرادته، فهو يختبر عباده بأنواع من الخوف والأذى، ليميز في واقع النّاس الخبيث من الطّيّب، حتى يجازى كلّ وفق اختياره وكسبه، ونلاحظ غلبة مغفرته ورحمته، إذ تخلّلت مشيئته بين عذاب المنافقين والتّوبة عليهم، فهو أعلم بمن خلق، وربما تتحسن توبة البعض منهم في مستقبل الأيام كما حدث لبعض مشركي مكة، ولله في خلقه شؤون، يحكمهم بإرادته ومشيئته، وهو الفعّال لما يريد، وهو الغفور الرّحيم.

وتأتي الأحداث في غزوة الخندق إلى نهايتها فيتحقّق وعد الله ويصدق ظنّ المؤمنين بربهم، ويخيب المنافقون بانحسار الأعداء عن المدينة: (وَرَدَّ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُومِنِينَ الْقِتَالَ، وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)، إنها الرّعاية الإلهية لرسوله ولدينه، كما قال الإمام البوصيري:

رعاية الله أغنت عن مضاعفة … من الدّروع وعن عال من الأطم

فما أروع حكمة الله إذ لو شاء لما أقدر الأعداء من الوصول إلى المدينة وحصارها، فلم يضطرّ رسول الله وأصحابه إلى اتخاذ التّدابير اللازمة لمواجهة العدوّ، وبالتّالي لا يكون ابتلاء، ولا تتمحص الجماعة المسلمة، ولكنه صراع الحق والباطل وثمن العزّ والمجد:

لا تحسبن المجد زقا وقينة … وما المجد إلا السّيف والفتكة البكر

وتركك في الدّنيا دويّا كأنما … تناول سمع المرء أنمله العشر

٤٬٣٩٦ / ٦٬٢٠١