نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٧٦فأصحاب رسول الله، وإن كانوا بشرا تنتابهم مشاعر الخوف والقلق عند الفزع، فإنّ صلتهم الوثقى بالله وبرسوله تحيي في نفوسهم الأمل وتغمرهم بالسّكينة فلا يزدادون إلا إيمانا وتسليما لإرادة الله، وهم يقدّرون ما يتطلّبه ذلك المجد من تضحيات، وما تعنيه صحبة رسول الله من التّحلّي بالوفاء والإخلاص، ومن إيثاره على كلّ شيء، حتى على النّفس التي بين جنبيه.
وقد أكمل الله الصّورة البديعة لهذا النّموذج المثالي بقوله: (مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).
وهذه شهادة من الله عامّة تتناول كلّ الذين وفّوا بعهد الله جهادا في سبيل الله أو استشهادا في ميادين الوغى من أولئك الذين شهدوا بدرًا وأُحُدًا ومختلف المشاهد مع رسول الله، فمنهم من قضى نحبه، والنحب بمعنى النّذر، وما يلتزمه الإنسان من عهود، وشاع استعماله في الموت، ولذلك قال: (وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ) أي بقي حيّا. وهذه الصّورة الوضيئة تقابل تلك الصّورة الكالحة من المنافقين الذين عاهدوا الله لا يولّون الأدبار ثم خانوا عهده.
وقد جاءت روايات تذكر سبب نزول هذه الآية، فقد روى الإمام البخاري أنها نزلت في أنس بن النّضر رضي الله عنه(1)، وقد استشهد يوم أحد، وذكر الزّمخشري غيرهم رضي الله عنهم.
ثم يعقب الله ببيان حكمة الابتلاء وعاقبة الوفاء والغدر فقال: (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).
(1) 1 - صحيح البخاري، كتاب (60) الجهاد والسير، باب (12) قول الله تعالى ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾، رقم 2651.