نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٩٢إنّه إرشاد ربّاني لهنّ إلى سموّ الأخلاق بالتّحذير مما قد تقع فيه الغفلة في إطار المخالطة والتّعامل بين النّاس، فنساء النبي كغيرهن من النّساء لهن حاجات يقضينها وزيارات يقمن بها، والكلام هو وسيلة التّخاطب والاتصال بين النّاس، وفي النّاس صلحاء أتقياء، وفيهم فسّاق وفجار، والنّساء في كلامهن رقة ولين يستهوي قلوب الرّجال، وإذا أخضعت المرأة في قولها للرّجال ظنّ أنّها تتحبّب إليه، وفي ذلك من الإغراء والفتنة ما فيه، مما قد يعرّض حرمة المرأة للخطر، فما بال أزواج رسول الله، ويا ما جرّ الكلام الرّقيق المتذلل إلى ما لا تحمد عقباه، قال أحدهم يصف آثار ذلك في نفس السّامع:
كأن لذّة صوته ودبيبها … سِنة تمشّى في مفاصل نُعّس
ولذلك أمر الله نساء النّبيّ بالقول المعروف وهو الكلام العادي الضّروري الذي يكون بمقدار قضاء المصالح، ليس فيه رقة ولا تغنّج، ولا في مواضيع مثيرة لشهوة الرّجل، بله أن يكون ذلك مباشرة وجها لوجه، كما سيأتي ذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ ذَالِكُمُ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب:53)، مما يدلّ أنّ الله تعالى أباح للمرأة أن تتكلّم مع الرّجال في قضاء حاجاتها الضّرورية ما لم تجد من يقضيها عنها، شريطة أن يكون ذلك في إطار التّصوّن والحشمة، وعلى قدر الضّرورة، ودونما اختلاء بالمرأة وحدها.