نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٩٤(1)
ج) - (وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ): الأمر بإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة لا يعني أنهن غير فاعلات لذلك، وإنما يعني التّأكيد على القيام بهذين الرّكنين العظيمين والدّوام عليهما، إذ ربما يخطر ببال أحد أنّ علوّ المنزلة عند الله يسقط بعض التّكاليف الدّينية، كما يدّعيه بعض المتصوفّة، يقول الإمام ابن عاشور في هذا المعنى: "وليعلم النّاس أنّ المقربين والصّالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حقّ توجّه التّكليف عليهم، وهذا مقمع لبعض المتصوّفين الزّاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب العليا سقطت عنهم التّكاليف الشّرعية".(2)
قلت: بل الأمر على العكس من ذلك؛ لأن العبد لا يزداد قربا من الله إلا بتكثيف عبادته وإدمانه عليها حتى يصبح من القرب إلى الله بالمنزلة التي تحدث عنها الحديث القدسي: «ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنّوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به … ».(3)
وخص الله بالذّكر الصّلاة؛ لأنّها الصّلة الوثقى بين العبد وربه، كما أن الزّكاة هي طهر للنّفس والمال ووسيلة للتكافل الاجتماعي، ثم جاء بعدهما الأمر العام بطاعة الله ورسوله، ليرتفعن بذلك على الأعراف وتقاليد المجتمع، فيحققن بذلك المنزلة العليا التي بوّأهن الله إياها في بيت النّبوءة الذي أشاد به فقال:
(1) 1 - أخرجه الترمذي بالجملة الأولى فقط من حديث ابن مسعود، كتاب (10) الرضاع، باب (17)، رقم 1173، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه بالجملة الأخيرة، رقم 1685.
(2) 2 - التّحرير والتنوير: 23/ 11.
(3) 3 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (84) الرقاق، باب (38) التواضع، رقم 6137.