نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ١٠٩

وبعد الجمل السّابقة من قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ) يأتي هذا التفريع: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)، وقضاء الوطر يعني كل ما قد تمّ بين زيد وزوجه من العشرة المضطربة ومن الانفصال بينهما ومن انقضاء عدتها منه، وذكر الله زيدا باسمه العلم عوضا عن الضّمير فيه إيناس وتشريف له إذ قدّر الله أن يكون سببا في ذلك الحكم الجريء من إلغاء التّبنّي فأصبح يسمى زيد بن حارثة بعد ما كان يدعى بين أقرانه بزيد بن محمد.

وقوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا) يقتضي أن هذا الزّواج قد تمّ بأمر الله على غير المعهود من حضور الوليّ والشّهود والصّداق، ويعتبر ذلك من خصوصياته عليه السلام وهذا ما رشّحه كثير من المفسّرين ومنهم قطب الأئمة إذ قال ما نصّه: " (زَوَّجْنَاكَهَا): من عندنا بلا وليّ ولا شهود ولا عقد ولا صداق، وكانت زينب تفتخر على سائر أزواجه صلى الله عليه وسلمبأنكن زوّجكم أولياؤكن، وأنا زوّجني ربّي وأن جدّي وجدّه واحد. والسّفير جبريل بين الله جلّ جلاله وبينه عليه السلام".(1)

قلت: يحق لزينب أن تفخر وقد قدّر الله لها بهذا الزّواج أن تواجه مع رسول الله أعظم تحدّ لإبطال العادات الفاسدة مهما ألفها النّاس واستحسنوها، فلم يقتصر حكم الله على إلغاء التّبنّي، ولكن الله أراد أن يصحّح الاعتبار الخاطئ في تسوية حليلة المتبنّى بحليلة الابن الشّرعي الحقيقي في الحرمة، ولذلك أشار إلى حكمة ذلك التّزويج في إقامة حكم الشّريعة، وهو رفع الحرج على المؤمنين في أن يتزوجوا حلائل أدعيائهم فقال تعالى: (لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُومِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمُ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، وهكذا جمع الله في هذه القضية الحكم القولي بالتّطبيق العمليّ من أفضل النّاس ليكون قدوة لغيره من المؤمنين.

(1) 1 - تيسير التفسير: 11/ 295.

٤٬٤٢٨ / ٦٬٢٠١