نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ١١٤

(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): الأمر بذكر الله وتسبيحه في كلّ الأوقات وعلى كلّ الأحوال جاء مناسبا بعد بيان أحداث الخندق وبعد حادثة زواج رسول الله بمطلقة متبنّاه زيد لأنّ انشغال المؤمنين بذكر الله وتسبيحه من شأنه أن يصرفهم عن مماراة المنافقين ويخفف عنهم مهاترات فتنتهم إذ ذكرّهم الله بلطفه ورحمته وأنهم مغمورون بأنوار هدايته، والقلوب إذا ما تخلت عن ذكر الله فإن الشّيطان يجد إليها منفذا بشروره ووساوسه فيعكّر عليها صفوها ويجرّها لأن تخوض مع الخائضين، وأكّد الله أمره بالمفعول المطلق: (ذِكْرًا كَثِيرًا) حتى لا يبقى منحصرا في أوقات الصّلوات التي يقصد بها ذكر الله، إذ قال تعالى في سورة العنكبوت بعد بيان المقصد الشّرعي للصلاة قال: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) (45). وخصّص الله التّسبيح من أنواع الذّكر لأنه تنزيه لله من كل أنواع النّقص، فهو أكمل الذّكر، يقول الإمام ابن عاشور عنه: "هو من أكمل الذّكر لاشتماله على جوامع الثّناء والتّمجيد، ولأن في التّسبيح إيماء إلى التّبرؤ مما يقوله المنافقون في حق النبي صلى الله عليه وسلمفيكون في معنى قوله تعالى: (وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النّور:16). فإن كلمة "سبحان الله" يكثر أن تقال في مقام التّبرّؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد"(1).

وأما قوله: (بُكْرَةً وَأَصِيلاً): وهما طرفا النّهار فيعني بذلك جميع الأوقات، ثم يعلل الله أمره بذكره وتسبيحه فيقول: (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُومِنِينَ رَحِيمًا).

(1) 1 - التحرير والتّنوير: 22/ 48.

٤٬٤٣٣ / ٦٬٢٠١