نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ١٧٣وقوله تعالى: (إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، أي مدوّن محصيّ في علم الله محفوظ وهو أعلم بحقيقة الكتاب، وقد عبّر عنه تارة بأمّ الكتاب، وتارة باللوح المحفوظ.
ثم بيّن الله حكمته في تقديره للنشأة الآخرة فقال: (لِيَجْزِيَ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالذِينَ سَعَوْا فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ اَلِيمٌ).
اللاّم للتعليل، يبيّن الله فيه حكمة إتيان الساعة للحياة الأخرى، يلقى الخلق فيها جزاءهم مما يقتضيه عدل الله وحكمته في خلق الإنسان وتكليفه حتى ينال كلّ منهم ما يستحقّه من الجزاء، فمنهم المحسنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأولئك لهم من ربهم المغفرة على ذنوبهم، والرزق الكريم في جنات النعيم، وأمّا المسيئون بفساد اعتقادهم وسوء أعمالهم، وقد اجتهدوا في الصدّ عن آيات الله البيانية والكونية ظانّين أنّهم منفلتون من قبضة الله، فأولئك لهم أسوأ العذاب في نار جهنم، وبذلك يتحقّق عدل الله فلا يتساوى المحسن مع المسيء كما قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم: 35 - 36).
ولمزيد من بيان حكمة الله تعالى في تقدير يوم الجزاء عطف على الجملة السابقة قوله: (وَيَرَى الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
والتعبير بـ (يرى) دون "يعلم" هو لإفادة العلم اليقيني الذي يستقرّ في المعتقد. وهو ينصب مفعولين كما تقدم بيانه في التحقيق اللغويّ، والمراد بـ (الذين أوتوا العلم) هم كلّ من أنار الله بصيرته بالتدبّر الواعي لمعاني القرآن في أيّ جيل وفي أي مكان.