نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ١٨٨وبما أن ذلك لا يكون إلا نادرا في واقع الناس نظرا لطبع الإنسان في البغي والطغيان إذا استغنى. نظرا لذلك جاء التعقيب بقوله تعالى: (اِعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)، ولا شكّ أنّ العبد الشكور هو ذلك الذي يجتهد في العبادة ويستكثر من النوافل ويروّض شهوته الحيوانية بالقليل من الطعام بما يقيم أَوَده، كما كان يفعل رسول الله في كثرة صيامه وقيامه الليل، حتىّ كانت زوجه عائشة تشفق عليه، فيقول لها: «أفلا أكون عبدا شكورا».(1)
ولبيان قوة ردع سليمان للجن وخوفهم منه بيّن الله مشهد موته، وهو يراقبهم فقال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الاَرْضِ تَاكُلُ مِنسَاتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ): الجملة مفرّعة على قوله: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَّعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ)، أي استمرّ عملهم حتى مات، ولم ينتبهوا لموته. وقوله: (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ) يدلّ على أنّ موت سليمان قد خفي عن رعاياه؛ لأن الضمير في: (دَلَّهُمْ) يتناول الإنس والجنّ أولا وبالذات، ولم يذكر الله من صورته إلاّ أنّه كان متّكئا على عصاه، فيحتمل أنه كان جالسا أو واقفا مسندا رأسه إلى تلك العصا، وكان الجنّ يعملون بين يديه أعمالا مرهقة شاقة بدليل الآية السابقة.
(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث المغيرة، كتاب (25) التهجد، باب (6) قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ترم قدماه، رقم 1078؛ وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (50) صفات المنافقين، باب (18) إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم 2819.