نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٠٢بعد أن يكون المشركون قد بُكتوا بالحجة الدامغة بأنّ آلهتهم لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وتبقى قضية الرزق الذي يتمتعون به وهم لا يدّعون أن آلهتهم هي التي توفّرها لهم، وبالتالي فهم ملزمون في إجابتهم عن السؤال: (مَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ)، ملزمون بأن يقولوا هو الله، وبالتالي فهو المستحقّ للعبادة وحده؛ لأنّه هو المنعم المتفضل بتلك الأرزاق، وبناء على تلك الإجابة الحتمية يضيف الرسول عاطفا على سؤاله السابق هذه الجملة الإخبارية بطريقة لطيفة ترفع الخصم إلى الوقوف على مسؤوليته في التأمّل والإقناع فقال للمشركين: (وَإِنَّآ أَوِ اِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى اَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)، أي نحن وإياكم أمام أمرين متناقضين، أي لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا، وهما: الهدى والضلال.
فنحن نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنتم تقولون بالشركاء لله في ربوبيته، فنحن وإياكم لعلى أحد الأمرين من الهدى أو الضلال المبين، فلينظر كلّ واحد منّا حاله وحال غيره، وهذا نوع من التّلطّف في الجدال يستدرج الخصم إلى الإنصاف إذا ما لزمته الحجة من غير أن تثار حفيظته.
ثم يتابع الحوار بنفس الأسلوب التلطفي متبعا أمر الله له بالقول: (قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ).
والمراد بالسؤال الجزاء على العمل، ونفي المسؤولية عن جزاء طرف للطرف الآخر إنما هو لتقرير المسؤولية الشخصية لكل أحد أمام الله في موقف الحساب على قاعدة قوله تعالى: (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) (النجم:38 - 39).