نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٠٥والخطاب بصفة الرسالة من قِبل الله للرسول تشريف لمقامه بإبطال دعوى المشركين بأنّه يفتري على الله الكذب، وإبطال لمنكري عموميتها من أهل الكتاب، فقد جاء التعبير بالقصر الإضافي على عمومية الرسالة المحمّدية للناس جميعا كما تدلّ عليه كلمة: (كَآفَّةً)، بمعنى لا يتوهّم الناس أنك مرسل لأهل مكة أو للعرب خاصّة، بل أنت رسول للناس أجمعين، أبيضهم وأسودهم كما أكّد الله هذا المعنى في قوله: (قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158). وكما ورد في الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة، الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا».(1)
ثم حصر الله وظيفة الرسل في البشارة والنذارة فقال: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) (النساء:165). وقال هنا في حقّ رسول الله: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، ويكون التبشير بما يسرّ ويفرح من نعيم الجنة للمتقين الأبرار، والإنذار بما يسوء ويحزن من عذاب النّار للكفار، ولا شيء غير هذه المهمة للرسول، فهو يبلغ دعوة ربه من غير إكراه للناس، ولا علم له بشيء من الغيب، والذين يطالبون رسول الله أن يخبرهم بغير ذلك مما لم يخبره الله به هم جاهلون بحقيقة الدين، ومن تلك الحقائق الثابتة دعوتهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ولعدم إيمانهم بتلك الحقيقة وجهلهم بالوظيفة الأساسية للرّسول فهم يوجّهون إليه أسئلة تعجيزية في معرض السخرية والاستهزاء: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبد الله، كتاب (7) التيمم، رقم 328، وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (5) المساجد ومواضع الصلاة، رقم 521.