نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٣٩غير أن الآية أعمّ وأشمل في تغطية رحمة الله لجميع مخلوقاته، صدرت الجملة بـ"ما" الشرطية جزمت فعل: (يَفْتَحِ اللهُ)، وجواب الشرط هو قوله: (فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا). واختير فعل: (يَفْتَحِ) لتشبيه رحمة الله بالشيء المدّخر يحافظ عليه في الخزائن كما قال تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) (الحجر:21). وقوله: (مِن رَّحْمَةٍ) بيان لكل الرحمات التي يبسطها الله على خلقه، والتي لا يملك أحد أن يمنعها عنهم مهما كانت قوته، تلك الرحمات الواسعة التي تمتدّ في كلّ مجال، ويلمسها الناس في كل الأحوال، ولا شك أن بعثة رسول الله هي من أعظم تلك الرحمات: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، وأيّ رحمة من تلك الرحمات يستطيع البشر أن يمسكوا بها وقد أراد الله نشرها وبسطها، أو يستطيعون تعدادها وحصر أنواعها، وهم في ما يمارسونه من تراحم في ما بينهم بكل أشكاله وفي مختلف مجالاته، إنما هو في حجمه كلّه لا يمثل إلاّ جزءا من مائة جزء من رحمة الله كما ثبت في الحديث الصحيح.
وما أن يتملّى الحسّ الإيماني تلك الدائرة المفتوحة الواسعة من رحمة الله، حتى يعرض السياق أمامك مقابل تلك الصورة الإيجابية بما يعكسها من الجانب السّلبي حين يمسك الله تلك الرحمة ويسدّ مجاريها على خلقه: (فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنم بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فهل من قويّ في الوجود تستطيع أن تفتكّها من محبسها والله مكسبها وحابسها، كلاّ، ولكنه الغرور الإنساني قد يجعله لا يتفاعل مع هذه الحقيقة الكونية، فلا يردّ الأمور إلى مصدرها الحقيقي وهو الله العزيز ذو القوة والغلبة وذو العزة والسلطان، وهو الحكيم في تدبير شؤون خلقه وكلّ شيء عنده بمقدار، وبالتالي فهو المستحقّ للحمد وهو الأجدر بالطاعة والعبادة.