نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٤٩لقد تكرر في القرآن الكريم عرض ذلك المشهد الطبيعي من إرسال الرياح وسوق السحب وإنزال الماء من السماء، ثم استهزاز الأرض بالنبات بعد اليبس والجفاف، تكرر هذا المشهد بأساليب مختلفة ليبني عليه قدرة الله في إحياء الموتى يوم البعث والنشور، فالماديون في كل زمان ومكان يعزون تلك التفاعلات إلى القوى الطبيعية دونما استشراف إلى ما وراء الطبيعة من قدرة الله وتدبيره، فهلا سألوا أنفسهم عن تلك الطبيعة من الذي طبعها؟، وعن القوى الكامنة في ثناياها من الذي حرّكها ودفعها؟، إنه الله الخالق الذي يحيي ويميت، ويُبدئ ويعيد. ومفرق الطريق بين الإيمان والكفر أن الكافر الملحد عندما تنتهي تأملاته في الكشف عن حقيقة من الحقائق فلا يزيد عن أن يقول: سرّ من الأسرار، ثم يولّي الأدبار، وأما المؤمن فهو يستشرف ما وراء العالم المادي ويحاول بنور بصيرته أن يخترق الآفاق ويسرح بنظره في ملكوت الله بحثا عما يحمله من الأسرار، وإذا ما استعصى عليه أمر وعجز عن بلوغ القصد فوّض الأمر إلى الله وقال في إيمان ويقين: الله وراء كلّ ستار.
وفي مبنى الآية لمسات بيانية تسترعي الانتباه فقد تناوبته صيغ الماضي والمضارع، للاستحضار الذهني لتلك الحالة كأنها مشاهدة واقعيا. ثم الانتقال من الغيبة إلى المتكلم بنون العظمة لتعظيم التدبير الإلهي في إتمام المشهد.
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ):