نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٥٠هذه الآية وإن جاءت على الاستئناف البياني فإنها لا تخلو من تناسب في ما بينها وبين ما سبق، فبعد أن سلّى الله رسوله على إعراض قومه بأن لا يذهب نفسه عليهم حسرات، وأنّه تعالى خبير بما يصنعون، ثم يساق المثل على قدرته في البعث والنشور بإحياء الأرض بعد موتها، بيّن هنا ما قد يصدّ الكافرين عن الإيمان، وهي قضية اجتماعية تسود المجتمع الجاهلي، وهي حرصهم الشديد على حظوظهم العاجلة من الجاه والمال والعزة والشرف، سيما أهل مكة، إذ كانت لهم المنزلة والحظوة عند سائر العرب، وهم القائلون لرسول الله: (إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنَ اَرْضِنَا) (القصص:57). فتلك النظرة الاستعلائية جعلتهم يرفضون الإيمان حرصا على عزة موهومة يتمسكون بها، ويحاولون استدامتها بالبقاء على عبادة آلهتهم الباطلة كما قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) (مريم:81). والفراغ الإيماني بالعزيز القويّ القاهر هو الذي يجعل الإنسان خائر العزيمة، أسير الأوهام الباطلة، فيستكين لمن لا يملك في الواقع قوة ولا سلطة من مخلوق مثله، ذلك في المجتمع المكي حين كان المسلمون مستضعفين، ولم تعمّ بعد للإسلام دولة يجد المسلمون في كنفها عزّتهم وكرامتهم، فكيف بهم وقد تحقق لهم ذلك بفضل الله في المدينة المنورة.