نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٢٥٨(ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، اِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ): (ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ): ما أعظم هذه الآية المصدرة باسم الإشارة: (ذَالِكُم)، والمشار إليه لفظ الجلالة الموصوف بالربوبية الحقة، والتي دلّت عليه كل ما تقدم من أول السورة من بيان مجالات عظمته وقدرته من خلق السماوات والأرض وما أودع فيهما من الخلائق وما سخر لها من الأرزاق إلى انتظام دورة الزمان باختلاف الليل والنهار وانتظام الشمس والقمر.
هذا هو ربكم العظيم -أيها الناس-، والذي له الملك الحقيقي والسلطان العظيم، والذي أُمرتم أن تعبدوه وحده لا شريك له، فهو الجدير بعبادتكم، لكن الذين تعبدون من دونه لا يملكون ولو قطميرا حقيرا من غشاء النواة التي ترمى، بله أن تخلق شيئا، بل هي لا تأبه لعبادتكم ولا تسمع دعاءكم فكيف يجوز في المنطق السليم بعد ذلك البيان المفصّل لقدرة الله ومجالات عظمته أن يعبد أحد غيره لا يسمع ولا يبصر. وحتى المعبودات التي تسمع من الملائكة والجن، هل تستجيب لدعاء أحد؟، كلا، والأدهى من ذلك أنها تتبرأ من عابديها يوم القيامة وتكفر بهم.
ومن بديع الالتفات أن ينتقل الخطاب من صيغة الجمع إلى صيغة الإفراد لرسول الله ولكل من يصلح له، ليجيء بعده ذلك التعقيب الذي أصبح من الأمثال الجارية في مجالات الإقناع والحوار: (وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)، بما كان وما سيكون.
وهو الله تعالى العليم الخبير بشؤون خلقه، وبما أودع فيهم من الطبائع قد تخفى على الناس، وهم لا يشكّون في ما ينبئ به خبير ممن يكون علمه محدودا، فكيف إذا أنبأ به العليم الخبير، والله أعلم.
حاجة الخلق إلى الله، واختلافهم في الاستجابة للرسول.
أ) - النصّ:
/
//