نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٣والسّد هو الحاجز بين شيئين، وقوله: (مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) يشمل حجب الرؤية من جميع الجهات، وفي اختيار كلمة السّدّ من كل أنواع الحجاب تصوير لمدى قوة حجبهم عن الهدى، ولذلك فرّع الله عن الصورتين العنيفتين قوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، والغشاوة هي الغطاء الساتر، وبذلك سدّت عليهم منافذ الرؤية. وهل أخزى من هذه الوضعية الفظيعة؟، وهل أبلغ من هذا التمثيل الحيّ لأولئك الذين واجهوا دعوة الرسول بمثل ذلك الإنكار والجحود؟، ومثل هؤلاء لا ينفع فيهم إنذار، وقد عمت بصائرهم وقضى الله فيهم أمره وفق سنّته في خلقه.
(وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمُ ءَآنذَرْتَهُمُ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُومِنُونَ): الهمزة في: (ءَآنذَرْتَهُم) للتسوية؛ لأنّ قلوبهم قد تحجّرت فليس فيها استعداد للاستجابة والتّلقي، وليس معنى ذلك أنّ الرّسول لا يقوم إليهم بالتبليغ في هذه الحالة، لأن الأمر ليس إليه، فمهمته أن يبلّغ، والله وحده يقدّر نتائج ذلك في أحوال عباده، وقد حكم على هؤلاء بعدم الإيمان.
وفي مقابل هؤلاء الميؤوس منهم، أعقب الله بيان من ينفع فيهم الإنذار، وهم الذين تتوفّر فيهم صفتان بينهما الله بقوله: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ).
بيّن الله للرّسول نوع الذين ينتفعون بالإنذار، فالمقصود بالإنذار هنا إنّما هو الإنذار الذي يترتّب عليه أثره في نفوس المنذرين، وهم الذين تتوفر فيهم صفتان:
أ) - (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ): والمراد بالذكر القرآن الحكيم، وقد اختار فعل: (اتَّبَعَ)؛ لأن ذلك هو النّاتج عن حسن الاستماع والتّدبّر، مما يدلّ على الاستعداد الفطري في حسن التّلقي والاقتناع بحقّية القرآن وصدقه أنّه من عند الله، ويتمثل ذلك في إيمانهم بالله وخشيتهم منه بالغيب.