نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣١٥ثم يعلنها صرخة مدويّة بكل ثقة واطمئنان، بأنه آمن بالرّب الواحد، وإضافته لكلمة "الرّب" إلى ضمير المخاطبين: (بِرَبِّكُمْ) فيه إيحاء لطيف إلى ما يجب عليهم من الإيمان الصحيح الذي دعا إليه رسل الله، وأكد إعلانه الإيماني بقوله: (فَاسْمَعُونِ)، رغبة منه في أن يقولوها كما قالها هو غير خائف ولا متردّد.
وهكذا يسدل الستار على مجريات الأحداث الدنيوية بدون أن يبين النهاية التي كانت للرجل مع قومه، والتي كانت القتل -لا محالة- إذ دلت على ذلك ما ترويه القصة من الأحداث الأخروية مستعرضة ما ادّخره الله للرجل المؤمن من نعيم وكرامة وكيف كانت مشاعره نحو قومه إذ قال تعالى: … (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
إنّها النّقلة العجيبة السريعة من عالم الفناء إلى عالم البقاء هناك في نعيم الجنة، جيء بالفعل: (قِيلَ) بالبناء للمجهول؛ لأنّ القائل والمقول له معروفان، فالقائل هو الله تعالى، والمقول له هو الرّجل الصالح الشهيد، بدليل التعجيل بدخوله الجنة، وتلك الكرامة تكون للشهداء كما ثبت ذلك من الحديث الصحيح.
وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في عدم التصريح بقتل الرجل في أعقاب القصة إذ قال: "وإذ لم يقصّ في المثل أنّه غادر مقامه الذي قام فيه بالموعظة، كان ذلك إشارة أنّه مات في مقامه ذلك، وإذ سلك في هذا المعنى طريق الكناية، ولم يصّرح بأنهم قتلوه إغماضا لهذا المعنى على المشركين كيلا يسرّهم أن قومه قتلوه فيجعلوه من جملة ما ضرب به المثل لهم وللرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيطمعوا في أنهم يقتلون الرسول".(1)
(1) 1 - التحرير والتنوير: 22/ 370 - 371.