نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٣٢٢

(مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ اِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون): هو بيان لسبب ذلك التحسّر بأنّه الاستهزاء برسل الله، وجيء بـ"من" الزائدة لتأكيد عموم النفي، حتى كأنّ تلك الظاهرة أصبحت عادة عند المجموعات البشرية، فهي لا تقتصر على رسل الله، بل تطال كلّ الأبرار في كلّ زمان ومكان، لقوله تعالى في سورة المطففين: (إِنَّ الذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَاكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلآَءِ لَضَآلُّونَ، وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ، فَالْيَوْمَ الذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الاَرَآئِكِ يَنظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) … (29 - 36).

فهدّد الله المستهزئين بقوله: (أَلَمْ يَرَوْا كَمَ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمُ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ)، الضمير يرجع إلى لفظ: (الْعِبَاد)، والاستفهام إنكاريّ، و (الْقُرُون) جمع "قرن"، ويعني المجموعة البشرية المتواجدة في زمن واحد، ألم ير هؤلاء المستهزئون كم من أمة مكذبة برسولها قبلهم أهلكناها ودمرناها. و (كَم) خبرية تدلّ على الكثرة. وذلك من القضايا المعروفة لدى المخاطبين، فيها تعريض بهم أن يقعوا في ما وقع فيه من سبقهم.

وقوله تعالى: (أَنَّهُمُ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ) موقع الجملة هي بدل اشتمال لجملة: (كَمَ اَهْلَكْنَا)، فعدم رجوع الأموات إلى الحياة الدنيا أمر متيقن منه لدى السامعين؛ لأن ذلك مما يتعلقون به في تكذيبهم بالبعث، غير أن زيادة: (إِلَيْهِمْ) يضيف معنى زائدا لقطع العلاقات بين الأعزاء، وذلك أنكى في التّحسّر والأسى وأردع في التبكيت ووخز الضمير.

٤٬٦٤١ / ٦٬٢٠١