نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٣٤٧

(لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ): مما هو من الملذات الحسية مأكلا ومشربا ومنكحا، والتنكير في لفظ (فاكهة) يدل على الكثرة والتنوّع، وتخصيصها بالذكر ثم التعميم بكل ما يشتهى من الطعام والشراب، لأن تناول الفاكهة المتنوعة في الدنيا لا يتأتّى إلاّ للأغنياء المترفين، فهي من الكماليات التي لا يحصل عليها الفقراء، وغالبا ما تقدّم للأصحاب في مجالس اللّهو أو في المأدبات الفاخرة، وتكون ذات قيمة أكثر إذا قدمّت في غير وقتها المألوف في فصل من الفصول كما نعيش عليه اليوم بفضل المثلّجات أو الاتصالات العالمية، ولذلك أكّد الله وجودها في الجنة في كلّ وقت فقال: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) (الواقعة:32 - 33).

(سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ): وسلام الله على أهل الجنة مما نجهل كيفيته، أو هو سلام بواسطة الملائكة، كما دلّ على ذلك أكثر من آية، هذا السّلام المقدّس اللّدنّي هو أجلّ النّعم وأعظمها، فهي اللّذة الروحية التي لا تضاهيها لذة، يتحقق بها رضوان الله وهو القائل بعد وصف نعيم الجنة: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72).

وهذا التكريم البالغ لأهل الجنة هو من آثار الربوبية الرحيمة فضلا منه ومنة، فإذا كانت النفس البشرية تسعد بما يكون لها من الحظوة والمكانة عند ذوي الجاه والسلطان وتتزلف إليهم بعبارات التقدير والولاء لتنال رضاهم فما بال النفس المؤمنة وهي تتشرف برضى الخالق وتستظل بظلاله في رفرف الخلد؟. ولعظم تلك المنة فإن المؤمن يتشرفها عند الله بالدعاء المأثور: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار. وربيعة العدوية الزاهدة المشهورة قد صوّرت لذة الرضا أبلغ تصوير عندما قالت تخاطب ربها:

إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن … وكلّ الذي فوق التراب تُراب

وقالت:

٤٬٦٦٦ / ٦٬٢٠١