نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٥٧بينما نجد القرآن الكريم قد بيّن موقفه بوضوح إزاء الشعر والشعراء، وهو يخاطب أئمة الكفر مبيّنا لهم طبيعة الشعر والشعراء بأنّها منافية للوحي المنزل من عند الله نورا وهدى للناس فقال جلّ من قائل: (وَالشُّعَرَآءُ يَتْبَعُهُمُ الغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: 224 - 226).
وفي هذه الآية الكريمة من سورة يس ينفي أن يكون الله قد علّم رسوله قول الشعر، وأنّه لا يصلح له ولا يتأتى له، وهو الأميّ وهو الصادق الأمين في ما يبلّغه عن الله، وهو الذي علّمه القرآن إذ أنزله على قلبه ليكون من المنذرين، ويدل قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) على أن الشعر موهبة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده لا تكون بالوراثة ولا بمجرّد إتقان لغة من اللغات.
ولإتمام الفائدة في بيان الفرق بين الشعر وأسلوب القرآن ننقل الفقرة التي ذكرها سيّد قطب في ظلاله إذ قال: "للشعر منهج غير منهج النبوءة، الشعر انفعال وتعبير عن هذا الانفعال، والانفعال يتقلّب من حال إلى حال، والنبوءة وحي على منهج ثابت على صراط مستقيم، يتبع ناموس الله الثابت الذي يحكم الوجود كلّه، ولا يتبدّل ولا يتقلّب مع الأهواء الطارئة تقلّب الشعر مع الانفعالات المتجدّدة التي لا تثبت على حال، والنبوءة اتصال دائم بالله، وتلقٍّ مباشر عن وحي الله، ومحاولة دائمة لردّ الحياة إلى الله، بينما الشعر في أعلى صوره أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال، مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة بحدود مداركه واستعداداته، فأمّا حين يهبط عن صوره العالية فهو انفعالات ونزوات قد تهبط حتى تكون صراخ جسد، وفورة لحم ودم، فطبيعة النبوءة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس، هذه في أعلى صورها أشواق تصعد من الأرض، وتلك في صميمها هداية تنزل من السماء".(1)
(1) 1 - في ظلال القرآن: 23/ 34.