نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٠في معرض الامتنان على الكفّار بما وفّر لهم من نعمة تسخير الأنعام لهم والتعجيب من عدم شكرهم لها يعود السّياق إلى بيان قدرة الله في خلق تلك الأنعام وإعداد تلك النعم التي يجنونها منها، وهي طيّعة مسخرة لهم، وتصدّر الآية بصيغة الاستفهام الإنكاري التعجيبي ينطوي على عتاب لعدم تدبّر الكفار لتلك النعمة التي كانوا يعتبرونها من كرائم أموالهم من الإبل والبقر والغنم، فهي معيار غناهم إذا توفرت أعدادها عند أحدهم، كيف لا يتدبرون خلقتها وكيف أبدع الله تركيبها وصنعتها الأولى قبل التوالد والتكاثر، كما خلق آدم من تراب، فاستعار لذلك عمل الأيدي دون مشاركة أحد من الخلق في ذلك، فأدمج الامتنان بتلك النعمة الإشادة بالقدرة الخلاقة في الإيجاد وإتقان الصنع، إذ جعلها الله على قوة أبدانها ذليلة مسخّرة لهم.
ثم عدّد منافعها الكثيرة فذكر الركوب، وقوله: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) أي من غير الركوب كالحرث وحمل الأثقال، بل وحتى المنافع الجمالية في إشباع الحاسة الفنية كما فصّل ذلك في قوله: (وَالاَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمُ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الاَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (النحل:5 - 7).
ويخصّص في آية سورة يس المأكل والمشرب، أي من لحومها وألبانها، ثم فرّع على التذكير بهذه النعمة قوله: (أَفَلاَ يَشْكُرُونَ) بصيغة الاستفهام التعجيبي، كيف لا يشكرون نعمة الله عليهم وهي ظاهرة للعيان ومستمرة في حياتهم في كل حين.
وكان من أثر كفرانهم بتلك النعمة أن اتخذوا من دون الله تلك الآلهة الباطلة التي يعبدونها: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ، لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ).