نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٦الجملة معطوفة على قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتَ اَيْدِينَآ أَنْعَامًا)، فالرؤية هناك جماعية وجاءت هنا فردية لما ورد في أسباب النزول أنها نزلت في أحد زعماء قريش من منكري البعث والأرجح أنه أبيّ بن خلف الجمحي، جاء إلى رسول الله بعظم بال يفتته بين يديه وقال له: يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرمَ؟، فقال: «نعم، يبعث الله هذا، ويميتك، ثمّ يحييك، ثم يدخلك نار جهنّم»، فنزلت الآية(1)، وإن كانت "أل" للعهد في لفظ: (الاِنسَانُ) على اعتبار سبب النزول، فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحكم يصدق على كلّ ناكر لله أو للبعث إلى يوم القيامة، وإثارة هذه الشبهة هي وقاحة وتجنّ على قدرة الله وعجيب صنعه لهذا الإنسان، كيف أنشأه نطفة قذرة متناهية في الصغر تخلقت في رحم أمه ثم تطوّرت تلك الأطوار العجيبة التي وضحها الله في سورة "المؤمنون"، حتى أصبحت إنسانا سويّا يجادل ويخاصم ربّه في سفاهة ووقاحة وهو ينكر قدرته على إعادة الخلق ويطلب من ربه البرهان والدليل، وقد نسي بدء خلقه من سلالة من ماء مهين؟. وهل العظم البالي المفتت هو أقلّ قيمة وأضعف حيوية من تلك النطفة التي كانت أصل النشأة الأولى؟، أوليس الخالق القادر على الخلق الأول بقادر على إعادة الخلق لذلك العظم الرميم؟.
ولا تقتصر قدرته على خلق الإنسان وحده، بل هو العليم بكل أنواع الخلق مهما دقّ أو صغر أو مهما ضخم أو كبر، عليم بأسرار الخلق في البدء والإعادة، فكلّ ذرة في الوجود هو خلق إبداعي من صنع الله، وهو مشمول بعلمه شمولا تاما قبل الخلق وحين الخلق وبعد الخلق، وحاشا لله أن ينسى أو أن يقصر علمه، والإنسان هو الذي ينسى ويقصر علمه، ومن سفاهته وغروره أنه يقيس قدرة الله بقدراته هو، وهي المحدودة القاصرة.
(1) 1 - أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، رقم 3606.