نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٧وقد أجاب الله على هذه الشبهة النكراء بالأسلوب الحكيم الهادئ بما يلزم الحجة على المجادل الخصيم، ونظير هذه الآية قوله تعالى بصيغة الجمع: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُّعِيدُنَا قُلِ الذِي فَطَرَكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (الإسراء:51).
ثم أضاف الله دليلا آخر على قدرته مما سخر للإنسان من جلائل نعمه فقال: (الذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ).
قد يقول القائل: ما هو العجيب في أمر إيقاد النار، وقد اهتدى الإنسان إلى ذلك منذ نشأته الأولى؟، غير أنّ علماء التاريخ في تصنيفهم لمراحل الحضارة الإنسانية يعتبرون أنّ اهتداء الإنسان إلى إشعال النار وتسخيرها في طهي طعامه وصهر المعادن قد تطلّب فترة من الزمان غير قصيرة، ظلّ الإنسان فيها يعيش على الحشائش والنباتات الفجّة، وعلى اللحوم الطازجة، فكان اهتداؤه إلى إشعال النار فتحا عظيما لا يقلّ أهمية عن الاهتداء إلى طاقة الكهرباء والذرة، والسّؤال المطروح: من غير الله الهادي للإنسان إلى كشف تلك الأسرار؟، فهو الذي ميّزه بالعقل وأكرمه وفضّله على كثير ممن خلق.
ووجه المقارنة بين بعث الحياة في العظم الرميم وبين قدح النار من الغصن الأخضر الرطيب، وجه المقارنة بين ذلك واضحة، فإذا كانت الحياة تتعارض مع الموت، فإنّ النار -أيضا- تتعارض مع الماء في الغصن الرطيب، ولكنها قدرة الله العليم بأسرار الخلق قد قدرت ذلك، وأقدرت هذا الإنسان إلى استغلال تلك الطاقة في حياته اليومية، فكان القدماء يقدحون النار بحكّ غصنين رطبين من نبات المَرخ والعفّار، وفي ذلك يقول الشاعر سديف:
فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب أولها الكلام.