نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٨١(بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ، وَإِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ، وَإِذَا رَأَوَا -ايَةً يَسْتَسْخِرُونَ): "بَلْ" للإضراب الانتقالي من موضوع إلى موضوع آخر، يقارن الله فيه بين موقف الدّاعي والمدعوّين، فالدّاعي رسول الله مقتنع بما يدعو إليه فهو في موقف العجب من موقف أولئك المدعوّين المنكرين لما يعرفون أنّه الحقّ الجليّ، وأن ما تخبرهم به هو الصّدق المبين، بينما كان موقفهم السخرية والاستهزاء بكلّ ما تنذرهم به من العذاب إن هم أصرّوا على عنادهم بحيث لا يجدي فيهم التذكير مهما حاولت أن تبيّن لهم حقائق دين الله.
ويلاحظ في الآية عدم ذكر متعلّق العجب، فيحتمل أن يراد به عظمة خلق الله في الآفاق تدعو المؤمن إلى العجب والإكبار والإجلال، ولعل ما يرجح المعنى الأول من تعلق عجب الرسول بموقف المشركين الناكر لقدرة الله قوله تعالى في سورة الرعد: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمُ أَ. ذَا كُنَّا تُرَابًا اِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (5). وذلك كله على قراءة: (عَجِبْتَ) بتاء الخطاب، أما على قراءته بتاء المتكلم: (عَجِبْتُ) على إسناد العجب إلى الله تعالى، ويكون المقصود به استعظام الأمر المتعجّب منه؛ لأنّه تعالى يتنزّه عن الروعة والمفاجأة لأمر غير مرتقب، وهو العليم بكل شيء.
(وَإِذَا رَأَوَا -ايَةً يَسْتَسْخِرُونَ): والمقصود بالآية هنا ما هو خارق للعادة من معجزات الرّسل، وجاء التعبير في جواب الشرط بقوله: (يَسْتَسْخِرُونَ) أي بالمبالغة في السخرية؛ لأنّ المعجزة المادية المشاهدة هي أقوى في الحجة والبرهان، ولذلك يلجؤون أمامها إلى القول بأنها سحر مبين: (وَقَالُوا إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ، أَ. ذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا اِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَءَابَآؤُنَا الاَوَّلُونَ، قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ).