نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٣٨٠

الخطاب لرسول الله: (فَاسْتَفْتِهِم)، والضمير عائد إلى غير مذكور للعلم به من دلالة المقام، وهم المنكرون للبعث، والاستفتاء طلب الفتيا، أي الإجابة عن مسؤول عنه في أمر يخفى عن غير المختصّين، والمسؤول عنه هو قوله: (أَهُمُ أَشَدُّ خَلْقًا اَم مَّنْ خَلَقْنَا)، والاستفهام فيه للتّقرير التوبيخي ليقارن المنكرون للبعث في استحالة إعادتهم للحياة مرة ثانية كما يعتقدون، إسألهم -أيها الرسول- أهم أشدّ خلقا على الله أم خلق السماوات والأرض وما بينهما من الخلائق التي هي أقوى منهم كالجن والشياطين والملائكة وغيرهم من الكواكب والنجوم والمجرات؟. وجاء التعبير بـ (مَنْ) تغليبا للمخلوقات العاقلة على غيرها، فإنّ الذي قدر على خلق تلك الأجرام العظيمة لا يعجزه أن يعيد خلقتهم مرة ثانية، على أن إعادة الخلق أهون وأيسر من الخلق الأول لو كنتم تعقلون، وقد تقدم هذا المعنى في سورة الروم، وإن كان التعبير مجاراة لمألوف الناس، وإلاّ فلا سهل ولا صعب أمام قدرة الله، ونظير هذه الآية قوله تعالى:

أ) - (ءَآنتُمُ أَشَدُّ خَلْقًا اَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَاهَآ، أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (النّازعات:27 - 33).

ب) - (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (غافر:57).

ومع اغترار المشركين بقوّتهم واعتزازهم بما هم فيه من الكثرة والظهور على الرسول وأصحابه في مكة، ذكّرهم الله بأصل خلقتهم الأولى، والمتمثّلة في خلق آدم من طين لازب، أي متماسك، فيه قوة الالتصاق بغيره، فهم من سلالة ذلك المخلوق الضعيف، فكيف ينكرون إعادة خلقهم، بينما لا ينكر قدرة الخالق من هو أعظم منهم وأشدّ قوة.

٤٬٦٩٩ / ٦٬٢٠١