نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٣٨٨(قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ): والإتيان عن اليمين، هو كناية عن الوقوف في سبيل الخير صادّين إيانا عن الإيمان الذي يجعلنا اليوم من أصحاب اليمين، واليمين مبعث تفاؤل ويمن عند العرب، عُدّي الفعل: (تَاتُونَنَا) بـ"عن" لتضمنه معنى: تصدوننا. وقيل: معناه تأتوننا من ناحية القوة والقهر والسيطرة، وقيل غير ذلك من المعاني التي تؤول كلّها إلى معنى الصدّ عن الخير والبرّ، وكان جواب الكبراء والسادة لهم: (قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُومِنِينَ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانِم بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ).
أي إنّهم أضربوا عن ذلك الزّعم، فحمّلوهم مسؤولية ما كانوا عليه من الكفر لما كان لهم من الاستعداد والقابلية لذلك فاختاروا لأنفسهم الكفر من غير إكراه ولا جبر، ولإثبات ذلك فيهم وصفوهم بالطغيان، حتى ينفي الكبراء عن أنفسهم تلك الصفة من التعالي والتسلط على أتباعهم في الدنيا على حدّ قول المثل: "رمتني بدائها وانسلت"، وفرّعوا عن كلامهم اعترافهم بأنهم جميعا -أي التابعين والمتبوعين- استحقوا العذاب بمقتضى حكم الله العادل: (إِنَّا لَذَآئِقُونَ)، حذف المفعول لدلالة المقام عليه، والجملة بيان لقول ربنا أي قوله تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة:13).
(فَأَغْوَيْنَاكُمُ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ): ثم اعترف الكبراء بإغرائهم لأتباعهم على الكفر، والإغواء هو التزيين والتحسين للضلال، مما يدلّ على أن الأتباع قد اختاروا الكفر بداية، وكان الكبراء يزينون لهم ذلك وهم مدفوعون بما كانوا عليه من الغواية في ذواتهم، فأرادوها حالة عامّة تشملهم جميعا.