نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٣٩٦

وأوصاف الجنة تتكامل بمثل هذه الآيات، تبيّن تفاوت درجات الجنة، كما تبيّن أصناف جماعات المؤمنين، وقد يجتمع المؤمن بزوجه وأولاده وأقاربه، كما يجتمع بمن عاشرهم في الدنيا من أصدقائه وأقرانه إذا عاشوا معه على الصلاح والتقوى، وإنما تتم سعادة الإنسان بالإمتاع والمؤانسة مع من يتجاوب معهم روحيا ونفسيا من أزواجه وأولاده وأحبابه، وقد أنشدت في شبابي بيتين في هذا المعنى فقلت:

إنّ السّعادة للمحبّ حبيبُه … فإذا نأى فبصحبة الإخوان

فكلاهما حلو لدّي، فكيف من … تلك الحلاوة حين يجتمعان

(يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ، بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ، لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ): وكان من عادة السّمّار، ومن تمام متعتهم في المؤانسة على الأرائك والطنافس أن تدار عليهم كؤوس الشراب، وأغلب ما يكون ذلك الشراب من النوع المنعش المسكر، ولله المثل الأعلى في وصفه لنعيم الجنة، إذ يذكر من الألفاظ والتعابير ما يدل في مألوفنا الدنيوي على تمام المتعة واللذة من الطعام والشراب، غير أن أحوال العالم الأخرويّ غير جارية على المتعارف لدينا في الدنيا، وإنما هو لتقريب المعنى لأفهامنا، فالجنة هي كما ورد في الحديث القدسيّ: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».(1)

فقوله تعالى في وصف مجلس الشراب: (يُطَافُ عَلَيْهِم)، بالبناء للمجهول، قد بيّنه في آية سورة الإنسان: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) (19). فالطواف هو تكرار مرور السقاة بين يدي الجالسين لإدارة الكؤوس، والكأس في اللغة هي القدح ما دام فيه الخمر، والمراد بها في هذه الآية هي الخمر نفسها، كما هو التعبير عليها في الشعر العربيّ، يقول أبو نواس:

وكأس شربت على لذة … وأخرى تداويت منها بها

(1) 1 - تقدم تخريجه: ص 108.

٤٬٧١٥ / ٦٬٢٠١